الشيخ أحمد فريد المزيدي
324
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
هذا بدعائك إلى ترك الصيام أو تناول بعض المشتهيات ، بأن تقول إنّ في سرد الصيام إضعاف النفس عن الأمر المحتاج إليه في الطاعات ، [ وإنّ ] في ترك تناول هذا الطعام المشتهى ما كسر قلب المسلم إذا دعي إليه الصّديق ، [ أو ] قلب العيال إذا كان مما جلبته أنت لعيالك . وربما خدعتك بلون آخر ، بأن تقول لك اكسر هذه الشهوة بتناولها هذه الكرّة لئلا يلج عليك هذا الخاطر فيشوّش عليك عبادتك ، وأمثال ذلك في سائر الشبهات . كلّ هذا من تلبيسها وتدليسها . ومثله عندما تكدّها بالعبادة ، وتلزمها على الكراهية الطاعة ، فتختار لك نهي النبيّ صلى اللّه عليه وسلّم عن التبتّل ، وعن أتعاب النفس ، مثل قوله عليه الصلاة والسلام : « أكلفوا من العمل ما تطيقون » ، ومثل قوله عليه الصلاة والسّلام : « إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى » . بل ربما دعتك عند إكثارك إتعابها ومنعها شهواتها ، إلى ما فيه إهلاكها رأسا أو منعها من تصرفاتها ، فتحمّلك إلى ما يؤدّي إلى القتل أو السجن وأمثال ذلك ، لما يتخيّل في هاتين الحالتين من الرّاحة وزوال التعب عنها . فأحد الشاهدين في هذا الباب : أن يكون قد تقدّم لها الكد والأتعاب عند طلبها الراحة ، وتقدّم لها الحاجة إلى الشيء المشتهى عند باعث الشهوة . فيعتبرها بهذين الحالين ، فإن كان قد تقدّم أحد هاتين الحالتين ، علمت أنّ الخاطر من النفس ، وحاجتها إلى ذلك هو الّذي حركها إلى الدعاء إليه ، ومجموع ذلك أن يكون الخاطر شهوانيا ، أو لطلب الراحة ، فالغالب على هذا الخاطر أنه من النفس . والشاهد الثاني : إلحاح بهذا الخاطر وعدم انقطاعه ، حتى يأتي مواليا ، كلّما جاهدت في دفعه عن نفسك ألّح عليك ولجّ ، ولا ينفع فيه الاستعاذة ولا التخويف ولا التحذير ولا الترغيب ، بل هو ملح دائم الإلحاح ، فهذا من أكبر الدلائل على أنّه من النفس ، إذ هي كالصبيّ متى منع من الشيء ازداد لجاجا في طلبه . فهاتان الحالتان شاهدا عدل متى اجتمعا لا تشكّ في أنّ الخاطر من النفس . ومداواتها عند هذه القضية بالمخالفة المحضة ، والإتعاب الشديد . فتمنعها الراحة عندما يكون الباعث للخاطر كثرة الكد والإتعاب بالعبادة ، أو بوصف وضعه أثقل ، ليكون ذلك أقمع لها من التحريك لمثل هذا الخاطر . وإن كان [ الباعث للخاطر ] شهوانيا جعل دواؤه الحرمان للشيء الذي طلبته ، أو تمنع من مشتهى آخر لها ، ليكون ذلك أمنع لها .